محمد بن جرير الطبري

216

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب ) يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا يا محمد رسلا من قبلك إلى أمم قد خلت من قبل أمتك فجعلناهم بشرا مثلك ، لهم أزواج ينكحون ، وذرية أنسلوهم ، ولم نجعلهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ، فنجعل الرسول إلى قومك من الملائكة مثلهم ، ولكن أرسلنا إليهم بشرا مثلهم ، كما أرسلنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرا مثلهم . وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله : يقول تعالى ذكره : وما يقدر رسول أرسله الله إلى خلقه أن يأتي أمته بآية وعلامة من تسيير الجبال ونقل بلدة من مكان إلى مكان آخر وإحياء الموتى ونحوها من الآيات إلا بإذن الله ، يقول : إلا بأمر الله الجبال بالسير والأرض بالانتقال ، والميت بأن يحيا . لكل أجل كتاب يقول : لكل أجل أمر قضاه الله كتاب قد كتبه ، فهو عنده . وقد قيل : معناه : لكل كتاب أنزله الله من السماء أجل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق بن يوسف ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قوله : لكل أجل كتاب يقول : لكل كتاب ينزل من السماء أجل ، فيمحو الله من ذلك ما يشاء ويثبت ، وعنده أم الكتاب . قال أبو جعفر : وهذا على هذا القول نظير قول الله : وجاءت سكرة الموت بالحق ، وكان أبو بكر رضي الله عنه يقرأها : وجاءت سكرة الحق بالموت ، وذلك أن سكرة الموت تأتي بالحق والحق يأتي بها ، فكذلك الاجل به كتاب وللكتاب أجل . القول في تأويل قوله تعالى : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : يمحو الله ما يشاء من أمور عباده ، فيغيره ، إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران . ذكر من قال ذلك :